ميدان عصري يستقطب نخبة أهل الهجن من مختلف دول الخليج

«الروضة» تكتب فصلاً جديداً من المجد وتغيّر ملامح المنافسة

|| محمد أبوعيطة

لم يعد مهرجان العين للهجن مجرد موعد رياضي تتسابق فيه الهجن، بل تحول إلى حكاية نجاح إماراتية تُروى فصولها على أرض ميدان الروضة، الذي أصبح شاهداً على مرحلة جديدة من التطور والازدهار في رياضة الآباء والأجداد، بعدما اجتمعت فيه أصالة الموروث مع حداثة المنشآت، وقوة المنافسات مع جمال المكان، في مشهد يعكس الرؤية الطموحة التي تقف خلف هذا المشروع الرياضي والتراثي الكبير.

وفي مدينة العين، التي تحتفظ بعلاقة تاريخية وثيقة بالإبل وأهلها، تتواصل فعاليات النسخة الثانية من المهرجان وسط أجواء استثنائية، وحضور لافت لكبار ملاك الهجن والمضمرين وعشاق هذه الرياضة من الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، الذين وجدوا في «الروضة» وجهة جديدة تليق بمكانة الهجن وما تحمله من قيمة راسخة في الوجدان الخليجي.

وما يميز مهرجان العين هذا العام أنه لا يقدم مجرد منافسات قوية بين الشعارات المعروفة، بل يكشف عن مشروع متكامل يتطور عاماً بعد آخر، ويسعى إلى الارتقاء بكل ما يرتبط برياضة الهجن، من الميدان ومرافقه إلى التنظيم والخدمات والتغطية الإعلامية، وصولاً إلى تعزيز فرص المشاركة أمام الأجيال الجديدة.

هزاع بن زايد.. رؤية صنعت التحول

يقف وراء التحول الكبير الذي يشهده ميدان الروضة اهتمام ومتابعة سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة العين، الذي منح تطوير الميدان أولوية خاصة، انطلاقاً من رؤية تتجاوز إقامة السباقات إلى صناعة وجهة رياضية وتراثية متكاملة تستوعب طموحات أهل الهجن وتواكب المكانة العالمية التي وصلت إليها هذه الرياضة في دولة الإمارات.

ولعل العبارة التي قالها سموه خلال إحدى زياراته للميدان: «واللي شفتوه بعدكم ما شفتوا شي»، تختصر جانباً كبيراً من هذه الرؤية؛ فقد حملت في كلماتها القليلة رسالة واضحة بأن ما تحقق ليس نهاية المشروع، وإنما مرحلة ضمن مسيرة أكبر من التطوير والطموح.

واليوم، ومع تواصل فعاليات مهرجان العين، تبدو ملامح هذا التحول حاضرة في تفاصيل المكان، حيث تطورت المنشآت، وتوسعت الخدمات، وأصبح الميدان يقدم تجربة مختلفة للملاك والمضمرين والزوار، في صورة تعكس حجم الاهتمام الذي تحظى به رياضة الهجن في الإمارات.

وقد أصبح ميدان الروضة أحد أبرز العناوين التي يتوقف عندها أهل الهجن في أحاديثهم، ليس فقط بسبب المنافسات التي يحتضنها، بل لما طرأ عليه من تغييرات جعلته نموذجاً لتطوير ميادين السباقات، وربط الرياضة بالبيئة والخدمات والمرافق الحديثة.

من «سيح صبرة» إلى الروضة.. حكاية مكان تغيّرت ملامحه

وراء المشهد الحالي قصة تحول لافتة، يستعيدها أبناء العين الذين عاصروا الميدان قبل سنوات، عندما كانت المنطقة تُعرف باسم «سيح صبرة»، وكانت إمكاناتها تختلف كثيراً عما يشاهدونه اليوم.

فالمكان الذي ارتبط في ذاكرة أهل الهجن ببدايات بسيطة، أصبح يحتضن منشآت حديثة، ومرافق متطورة، وشبكة من الطرق والخدمات التي أعادت تشكيل المشهد المحيط بالمضمار.

ولا تقتصر أهمية هذا التحول على الجانب العمراني وحده، بل تمتد إلى ما أحدثه من تغيير في طبيعة تجربة الملاك والمضمرين، الذين باتوا يجدون بيئة أكثر تكاملاً لممارسة نشاطهم الرياضي، ومتابعة تدريبات مطاياهم، والاستعداد للمنافسات في ظروف أفضل.

ميدان يتجاوز المضمار.. إضافات تصنع الفارق

من أبرز ما يميز مهرجان العين في نسخته الثانية أنه يقام في بيئة تشهد تطوراً متواصلاً، حيث لم يعد الاهتمام مقتصراً على المضمار وتجهيزاته الفنية، بل امتد إلى البنية التحتية والخدمات التي يحتاج إليها الملاك والمضمرون والجمهور.

فالمنصة العصرية التي أصبحت إحدى أبرز معالم الميدان تقدم صورة مختلفة للمنشآت الرياضية المخصصة للهجن، إلى جانب الطرق المحيطة بالمضمار، ومسارات الحركة والمتابعة، وتجهيزات الإنارة الحديثة التي تضفي على المكان طابعاً تنظيمياً متقدماً.

ويشمل مشروع التطوير كذلك مسارات مخصصة لتدريب الهجن، وممشى للمسراح مزوداً بالحواجز اللازمة، إلى جانب مرافق لخدمة الزوار ومشروعات للضيافة والإقامة، تتضمن الفندق والشاليهات، بما يعكس التوجه نحو توفير منظومة متكاملة حول الميدان.

ولم تغب البيئة المحيطة عن خطط التطوير، إذ شملت الأعمال التشجير والتجميل وتحسين المشهد الطبيعي، بما ينسجم مع طبيعة مدينة العين وخصوصيتها، ويمنح الميدان هوية تجمع بين الموروث الصحراوي والمظهر الحضاري الحديث.

وهذه الإضافات تمنح المهرجان خصوصية تتجاوز الجانب الرياضي؛ إذ تعكس توجهاً نحو تحويل ميادين الهجن إلى وجهات متكاملة يمكنها استضافة الفعاليات الكبرى، وتوفير الخدمات اللازمة للمشاركين والزوار على مدار الموسم.

موسم ممتد.. والمهرجان ليس مجرد سباق ختامي

ومن الإضافات المهمة التي عززت حضور مهرجان العين هذا العام اتساع برنامجه الزمني، بعدما جاءت النسخة الثانية على صورة موسم متكامل، انطلق عبر ثلاث جولات تمهيدية خلال أشهر الصيف، وصولاً إلى المنافسات الختامية في أكتوبر.

وقد منح هذا الامتداد الملاك والمضمرين فرصة للاستعداد التدريجي، وتجربة المطايا ومتابعة جاهزيتها، واكتشاف القدرات الواعدة في مختلف الفئات العمرية، قبل الوصول إلى مرحلة المنافسة على الرموز الكبرى.

كما ساهمت الجولات التمهيدية في إبقاء ميدان الروضة حاضراً في المشهد الرياضي طوال أشهر متتالية، بدلاً من اقتصار نشاطه على أيام محدودة، وهو ما يمثل إضافة مهمة إلى روزنامة سباقات الهجن في الدولة.

وبذلك أصبح مهرجان العين يجمع بين صناعة الحاضر الرياضي والاستثمار في المستقبل، عبر برنامج متدرج يواكب مراحل إعداد الهجن وتطور مستوياتها.

المهرجان نكهته خليجية

على أرضية ميدان الروضة، لم تكن المنافسة مجرد سباق نحو خط النهاية، بل حضرت معها حكايات الملاك والمضمرين، وطموحات الشعارات الكبيرة، وأجواء التحدي التي تمنح رياضة الهجن خصوصيتها.

وقد اتسمت منافسات المهرجان بحضور نخبة من الهجن المعروفة في الميادين الخليجية، إلى جانب مطايا صاعدة تسعى إلى إثبات وجودها، وسط منافسة تعكس مستوى الإعداد والتضمير والاهتمام المتزايد بهذه الرياضة.

ولعل ما يلفت الأنظار في مهرجان العين أن المنافسة لم تعد محصورة بين عدد محدود من الشعارات، بل أصبحت مساحة لإبراز قدرات عزب مختلفة، مع حضور واضح للملاك الذين يواصلون الاستثمار في تطوير سلالاتهم وإعداد مطاياهم للمنافسات الكبرى.

وقد أضفت هذه الأجواء على المهرجان زخماً خاصاً، بعدما اجتمع أصحاب الخبرة الطويلة مع جيل من الملاك الشباب، في صورة تعكس استمرار انتقال الموروث من جيل إلى آخر، وقدرته على المحافظة على مكانته رغم التحولات التي شهدتها الرياضة.

عدسات ياس والمنصات المتخصصة تنقل نبض الميدان

ومع تطور المهرجان، برز الدور الإعلامي بوصفه أحد العناصر التي تعزز حضوره الجماهيري، حيث أصبحت المنافسات تحظى باهتمام القنوات الرياضية والمنصات المتخصصة، وفي مقدمتها قناة ياس، إلى جانب وسائل الإعلام الرسمية والصحف الإماراتية وحسابات الهجن على منصات التواصل الاجتماعي.

ولا تقتصر أهمية التغطيات الإعلامية على نقل السباقات، بل تمتد إلى توثيق قصص الملاك والمضمرين، وإبراز مراحل الإعداد والتجهيز، ونقل الأجواء المصاحبة للمهرجان من داخل الميدان.

مهرجان يصنع المستقبل ويحفظ الموروث

في نسخته الثانية، يقدم مهرجان العين للهجن صورة متكاملة عن قدرة الرياضات التراثية على التطور دون أن تفقد هويتها، ويؤكد أن الاستثمار في المنشآت والتنظيم والخدمات يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة أمام رياضة ارتبطت بتاريخ الإمارات وثقافتها.

فما تحقق في ميدان الروضة ليس مجرد تطوير لموقع رياضي، وإنما خطوة في مشروع أشمل يمنح الهجن المكانة التي تستحقها، ويوفر للملاك والمضمرين بيئة تساعدهم على مواصلة العطاء، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة الارتباط بهذا الموروث.

ومن النسخة الأولى إلى الثانية، تتسع ملامح التجربة، ويتعزز حضور المهرجان في أجندة السباقات، وتبرز العين وجهة تجمع بين جمال المكان وقوة المنافسة وكرم الضيافة وأصالة التاريخ.

ولعل أجمل ما في حكاية الروضة أن التحول الذي تشهده لم يلغِ ذاكرتها القديمة، بل أعاد تقديمها بصورة جديدة؛ فالمكان الذي ارتبط قديماً ببساطة الصحراء أصبح اليوم شاهداً على طموح كبير، يستمد جذوره من الماضي ويتطلع بثقة إلى المستقبل.