|| محمد أبوعيطة
في واحدة من الحكايات اللافتة في ذاكرة سباقات الإبل القديمة بالإمارات، تروي روايات التراث الشفاهي قصة «الخمري» الذي لم يكتفِ بالفوز في أحد السباقات، بل انتهت رحلته بطريقة استثنائية بعدما أصبح وليمة عرس، في واقعة تختصر جانبًا من بساطة المجتمع آنذاك وعمق ارتباطه بالإبل ومناسباته الكبرى.
وبحسب ما نشرته «أكاديمية التاريخ» استنادًا إلى روايات من التراث الشفاهي الإماراتي، تعود القصة إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين أقام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، سباقًا للإبل في مدينة العين بمناسبة زواج الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، طيب الله ثراه.
ويروي أحمد بن هويمِل العامري، المرافق الخاص للشيخ زايد وأحد شهود البدايات، أن السباق انطلق من منطقة "شبهانة العشارق" وصولًا إلى "قصر الشيخ زايد" في العين.
وفي ذلك السباق كان مبارك بن ناصر المنصوري يشارك علي بعيره «الخمري»، وقد أقسم قبل انطلاق المنافسات أنه إذا فاز بالسباق فسوف ينحره في عرس الشيخ خليفة.
وجاءت النهاية كما تمنى، إذ تفوق «الخمري» على منافسيه وانتزع الفوز، فأوفى مالكها بقسمه ونحر البعير الفائزة وقدمها فى وليمة العرس، لتبقى القصة واحدة من الروايات المتداولة عن سباقات الإبل في تلك المرحلة.
ولم تكن هذه الرواية الوحيدة التي حفظتها الذاكرة الشعبية عن البدايات.
إذ يقدم سالم مبارك بن زعيتِر العامري، أحد ملاك الإبل منذ ستينيات القرن الماضي، رواية أخرى عن السباقات الأولى، ويذكر أن أول سباق أُقيم في منطقة المقام كان على مسار مستقيم.
وبحسب رواية ابن زعيتِر، شارك في ذلك السباق عدد من ملاك الإبل وأهل السباقات المعروفين في تلك الفترة، من بينهم مظفر العامري، وحمودة بن علي، وابن الحوتة، ومحمد بن لويع الخييلي، فيما كان محمد بن لويع ومظفر من بين الفائزين.
كما يستعيد ابن زعيتِر حضور إبل الشيخ طحنون بن محمد، طيب الله ثراه، في تلك السباقات، مشيرًا إلى أن لها بصمة واضحة في المنافسات، ومن أشهرها «شعلة» و«الطبي».
وتشير رواية أحمد بن هويمِل إلى أن السباقات انتقلت بعد ذلك إلى المنطقة التي تقع فيها الجامعة اليوم، ثم إلى منطقة المقام، فيما ظلت أسماء عدد من المشاركين في تلك السباقات حاضرة في الذاكرة، ومن بينهم ابن خضار، وعلي بن سبيت، والدخدح، وابن الحوتة، ومحمد بن لويع الخييلي.
ومع مرور الوقت أخذت سباقات الإبل في التطور والتنظيم، في ظل اهتمام الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بهذا الموروث الأصيل، إذ أمر بإنشاء ميدان المقام، واهتم باقتناء الزمول الطيبة، بما أسهم في ترسيخ حضور السباقات واتساع نطاقها.
ويتذكر ابن هويمِل أيضًا «منصورة» التي اشتراها للشيخ زايد بمبلغ كبير وشاركت وسبقت في المنافسات، إلى جانب «منحاف» الوهيبة التي عُرفت بتفوقها، فأحبها الشيخ زايد وشارك بها في سباقات الشيوخ، حتى ذاع اسمها بين الناس وأصبح كثيرون يسمون إبلهم باسم «منحاف».
وتكشف هذه الروايات المتعددة أن البدايات الأولى لسباقات الإبل في الإمارات لم تكن مجرد منافسات رياضية، بل كانت جزءًا من الحياة الاجتماعية والتراثية لأهل المنطقة، ارتبطت بالأفراح والمجالس وأسماء الرجال والمطايا، قبل أن تتطور تدريجيًا إلى منظومة منظمة من الميادين والمهرجانات والسباقات الكبرى.
المصدر: وفقًا لما نشرته «أكاديمية التاريخ»، نقلًا عن كتاب: أبو عاقلة، ف. ي. (2022)، «سرديات من التراث الشفاهي الإماراتي»، نادي تراث الإمارات.





