|| أصايل الإبل
في أقصى جنوب البحر الأحمر بجمهورية مصر العربية، حيث تمتد الصحراء بين الجبال والدروب القديمة، نظم سباق الهجن في مدينة الشلاتين لتستعيد البادية جانبًا من ذاكرتها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الوطن» المصرية في 15 أغسطس 2026، فإن سباقات الهجن في الشلاتين أصبحت حدثًا يتجاوز البعد الرياضي، لما تحمله من قيمة ثقافية واجتماعية واقتصادية، فضلًا عن دورها المتنامي في دعم السياحة الرياضية ووضع جنوب البحر الأحمر أمام الزائر العربي والأجنبي بصورة مختلفة.
الجمل.. رفيق حياة قبل أن يكون بطل سباق

ترتبط الإبل بحياة سكان جنوب البحر الأحمر بعلاقة تمتد عبر أجيال طويلة؛ ففي البيئة الصحراوية الواسعة لم يكن الجمل مجرد حيوان للتربية، بل كان وسيلة أساسية للتنقل بين الدروب والجبال، وعنصرًا مهمًا في الرعي والتجارة ومصدرًا للغذاء، فضلًا عن حضوره في الأفراح والمناسبات الاجتماعية.
ولهذا، عندما تنطلق الهجن في مضمار السباق، فإنها لا تقدم استعراضًا رياضيًا فحسب، وإنما تستحضر تاريخًا كاملاً من علاقة الإنسان بالصحراء.
ويشير ناصر منصور، أحد سكان جنوب البحر الأحمر، إلى المكانة الكبيرة التي تحتلها الإبل لدى القبائل، حتى إن ثروة بعض العائلات ترتبط بما تمتلكه منها، إلى جانب الاستفادة من ألبانها ولحومها وجلودها واستخدامها تاريخيًا في التنقل والحياة اليومية.
الشلاتين.. ميدان صنعته الطبيعة

الطبيعة نفسها تبدو وكأنها أعدت الشلاتين لاستضافة مثل هذه السباقات؛ صحارى مفتوحة ومساحات ممتدة، إلى جانب حضور قبلي كبير وامتلاك الأهالي أعدادًا من الإبل، وهي عوامل منحت المنطقة خصوصية تجعل سباقات الهجن جزءًا طبيعيًا من مشهدها الاجتماعي.
ويؤكد بشار أبوطالب، نقيب المرشدين السياحيين بالبحر الأحمر، أن تنظيم هذه السباقات ليس جديدًا على الشلاتين، موضحًا أن شيوخ وعواقل وكبار القبائل يحرصون على دعمها والحفاظ عليها، باعتبارها جزءًا أصيلًا من تراث المنطقة.
يوم يشبه العيد
ومع موعد السباق تتغير ملامح المكان.
تتوافد أعداد كبيرة من أبناء قبيلتي العبابدة والبشارية وغيرهما من سكان المنطقة لمتابعة المنافسات، وتقام مظاهر احتفالية شعبية تعكس ارتباط المجتمع المحلي بالحدث.
ويصف الحسن عثمان، من أبناء قبائل البحر الأحمر، هذه المناسبة بأنها واحدة من الأيام الكبرى التي ينتظرها الأهالي كل عام؛ إذ تخرج أعداد كبيرة لمشاهدة السباقات، فيما تدق الطبول وتنتشر أجواء الاحتفال بين أبناء القبائل.
وهنا تكتسب السباقات معناها الأعمق؛ فالناموس مهم، والفوز له قيمته، لكن المشهد الأكبر هو اجتماع الأجيال حول موروث واحد، يشاهد فيه الصغار ما كان الآباء والأجداد يمارسونه ويعيشونه قبل عقود طويلة.
نافذة سياحية على ثقافة البادية
وفي السنوات الأخيرة، بدأت سباقات الهجن تأخذ بُعدًا آخر يتصل بالسياحة، بعدما أصبحت مناسبة قادرة على جذب الزائر الباحث عن تجربة مختلفة تتجاوز الشواطئ والمنتجعات التقليدية في البحر الأحمر.
ويرى الخبير السياحي عاطف عثمان أن تنظيم سباقات الهجن بصورة سنوية يسهم في إعادة إحياء رياضة مرتبطة بالهوية البدوية، وفي الوقت نفسه يوفر منتجًا سياحيًا يمكن البناء عليه للتعريف بثقافة قبائل المنطقة.
فالزائر العربي يجد أمامه موروثًا مألوفًا يمتد في مناطق واسعة من العالم العربي، بينما يستطيع السائح الأجنبي الاقتراب من تفاصيل الثقافة الصحراوية في بيئتها الطبيعية، ما يمنح جنوب البحر الأحمر فرصة لتعزيز حضوره على خريطة السياحة الرياضية والثقافية.
السباق يحرك الأسواق أيضًا
ولا تتوقف آثار سباقات الهجن عند حدود السياحة أو الحفاظ على التراث، وإنما تمتد إلى حركة اقتصادية ترتبط بالمطايا نفسها.
فالاستعداد للمنافسات يفتح الباب أمام عمليات البيع والشراء، ويزيد الطلب على الخبرات المرتبطة بتدريب وإعداد الهجن ورعايتها، إلى جانب الأنشطة والخدمات المصاحبة للسباقات.
ويؤكد الشيخ محمد سدو، شيخ مشايخ البشارية جنوب البحر الأحمر، أن هذه الفعاليات تملك أبعادًا اقتصادية واجتماعية واضحة، من خلال تنشيط التجارة المرتبطة بالإبل وتوفير فرص عمل للشباب العاملين في إعداد المطايا وتجهيزها، فضلًا عن المساعدة في نقل الخبرة من كبار المربين إلى الأجيال الجديدة.




