أربعة أودية تستقبل القطعان بعد انتهاء موسم الخريف.. وأعراف متوارثة تنظم الرحلة وتحمي الإبل والمراعي
|| أصايل الإبل
مع انحسار موسم الخريف في محافظة ظفار بسلطنة عمان وبدء جفاف الأرض، تستعيد ولاية طاقة واحدًا من مشاهدها التراثية المتوارثة، حين تتحرك قطعان الإبل من جديد نحو الأودية والمراعي في رحلة تعرف محليًا باسم «خطلة الإبل»، وهي ممارسة سنوية تتجاوز في معناها مجرد انتقال القطعان من مكان إلى آخر، لتجسد علاقة قديمة جمعت الإنسان بالإبل والطبيعة في هذه المنطقة من سلطنة عُمان.
وبحسب تقرير ميداني نشرته جريدة «عُمان»، تتجه قطعان الإبل في ولاية طاقة إلى أربعة أودية رئيسية هي: وادي دربات، ووادي جنين، ووادي غيضت، ووادي خشيم، في مشهد يبدأ منذ ساعات الفجر الأولى، ويتقدم خلاله الرعاة وملاك الإبل في مجموعات منظمة، تتوزع مهامها بين مقدمة القطعان ومؤخرتها وجوانبها، لضمان وصول الإبل بأمان إلى مناطق الرعي.
وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة بسبب طبيعة بعض المناطق وكثافة الحشائش بعد موسم الخريف، إذ يمكن أن تحجب النباتات بعض الحفر أو المواضع الخطرة التي خلفتها الأمطار، ما يستدعي وجود الرعاة حول القطعان ومراقبة تحركاتها باستمرار.
ثلاثة أشهر بعيدًا عن الأودية
وتبدأ حكاية «الخطلة» قبل موعد الرحلة بأشهر، إذ تُبعد الإبل خلال موسم الخريف عن الجبال والأودية، وتُنقل إلى السهل المعروف محليًا باسم «الجربيب»، حيث تبقى لأكثر من ثلاثة أشهر داخل الحظائر وتتغذى على الأعلاف.
ويأتي ذلك، وفق ما أوضحه مسلم بن بخيت المعشني، أحد ملاك الإبل في ولاية طاقة، في حديثه لجريدة «عُمان»، لحماية الإبل من مخاطر الأمطار والرطوبة والانزلاقات التي قد تتعرض لها في المناطق الجبلية، وفي الوقت نفسه منح المراعي الطبيعية فرصة للنمو والتجدد بعيدًا عن الرعي خلال موسم الخريف.وهكذا تصبح «الخطلة» جزءًا من منظومة بيئية متوارثة، تراعي سلامة الإبل بقدر ما تراعي المحافظة على الأرض وغطائها النباتي.
أعراف تضبط موعد الرحلة
ولا تبدأ الرحلة بصورة عشوائية؛ فالخطلة تحكمها أعراف اجتماعية وقواعد يعرفها ملاك الإبل والرعاة ويلتزمون بها منذ أجيال.
فلا يسمح بتحرك القطعان صوب الأودية إلا بعد انتهاء تساقط الأمطار وجفاف الأرض، حمايةً للنباتات والتربة من الضرر، ثم يُحدد موعد موحد ويُبلّغ به الملاك والرعاة، فيما يعرف كل قطيع وجهته وحدوده ومساره دون التعدي على مناطق القطعان الأخرى.
وكان وادي دربات يمثل في السابق الوجهة الرئيسية للخطلة، حيث تمكث الإبل فيه قرابة أسبوع، قبل توزيع القطعان على الأودية الأربعة؛ دربات وغيضت وجنين وخشيم، بهدف تخفيف الضغط على المراعي وتقليل كثافة الإبل في وادٍ واحد.
شهران بين الإبل والطبيعة
ومع دخول موسم الربيع، تمتد رحلة بعض القطعان ما بين شهر وشهرين، يتنقل خلالها الرعاة مع إبلهم بين مناطق الرعي المختلفة.
ويمنح هذا التنقل «الخطلة» طابعًا يتجاوز النشاط الرعوي التقليدي، لتتحول إلى رحلة في أحضان الطبيعة يعيش خلالها الراعي يومياته مع الإبل بعيدًا عن التجمعات السكانية، وسط الأودية والمرتفعات والمراعي التي اكتست بالخضرة.
وتكشف هذه الرحلة في جانب منها عن عمق المعرفة التي اكتسبها أهل المنطقة عبر أجيال طويلة في التعامل مع الإبل، واختيار أماكن رعيها، وتوقيت انتقالها، ومراقبة الأرض والمناخ بما يحقق التوازن بين حاجة القطعان إلى المرعى وقدرة الطبيعة على التجدد.
حين كانت الأسرة كلها ترافق «الخطلة»
وتحمل الخطلة في الذاكرة الظفارية بعدًا اجتماعيًا وتراثيًا أوسع.
فقد روى مسلم بن بخيت المعشني، البالغ من العمر 80 عامًا، أن الأسر في الماضي كانت ترافق الإبل في رحلتها إلى الجبال والأودية لفترات قد تصل إلى شهرين أو أكثر، في زمن كانت فيه أنماط الحياة مختلفة عن الوقت الحاضر.
وكانت الرحلات تتحول إلى مناسبة اجتماعية حافلة بالموروث الشعبي، تصاحبها فنون ظفارية عدة، من بينها «الهبوت» و«المشعير» و«النانا»، لتصبح حركة الإبل إلى المراعي مناسبة يلتقي فيها النشاط الرعوي بالفنون والعادات الاجتماعية.
كما كان الرعاة ومربو الإبل يرتدون ملابس خاصة بالمناسبة، من أبرزها «الصبيغة» المعروفة محليًا باسم «الخرقة»، وهي رداء نيلي اللون، إلى جانب «المحفيف» الذي يلف حول الرأس والشعر، فيما يحمل الرجال الخناجر والعصي، وكان بعضهم يحمل البنادق أو السيوف.
وللمرأة أيضًا حضورها في هذا المشهد التراثي، من خلال المشاركة في بعض الفعاليات وارتداء ملابس خاصة بالمناسبة، من بينها الثوب المعروف محليًا باسم «طقت»، والذي يحتفظ بطابعه التراثي مع اختلاف طريقة خياطته وتطريزه عن ملابس الرجال.
جيل جديد يتمسك بالإبل
ورغم التحولات الكبيرة التي طرأت على الحياة في ظفار خلال العقود الماضية، فإن «الخطلة» ما زالت حاضرة، ومعها يستمر ارتباط أجيال جديدة بالإبل.
ويرى المعشني أن إقبال الشباب على اقتناء الإبل وتربيتها يمثل مؤشرًا مهمًا على استمرار هذا الموروث وانتقاله بين الأجيال، بما يحفظ جانبًا أصيلًا من ثقافة المجتمع وعلاقته بالحيوان والبيئة.
فالخطلة، في صورتها المعاصرة، ليست مجرد رحلة موسمية تقطعها الإبل إلى أربعة أودية في طاقة؛ بل هي ذاكرة حية تختزن خبرة الإنسان في رعاية قطعانه، وفهمه لإيقاع الطبيعة، وقدرته على تنظيم الاستفادة من المراعي دون استنزافها.
وبين حنين النوق وخطوات الرعاة الممتدة في الوادي، تتجدد كل عام حكاية قديمة، عنوانها أن الإبل ظلت جزءًا من تفاصيل الحياة في ظفار، ومكونًا اقتصاديًا واجتماعيًا وتراثيًا حاضرًا، حتى مع تغير أنماط الحياة من حولها.
المصدر المرجعي: تقرير ميداني نشرته جريدة «عُمان» بتاريخ 20 سبتمبر 2026 بعنوان: «خطلة الإبل.. تشق طريقها إلى 4 أودية في طاقة».





