برعاية ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.. مهرجان الأردن السادس يحوّل «الديسة» إلى ملتقى عربي ودولي للهجن والشعر والثقافة

مشاركة تتجاوز التوقعات.. ومضمار الشيخ زايد يحتضن المنافسات وسط حضور جماهيري واسع وتطويرات جديدة

من أشواط السرعة إلى بطولة العالم للقدرة.. ستة أيام تحتفي بالإبل وتفتح آفاقًا للسياحة والتراث

|| أصايل الإبل (تقرير خاص)

في وادي رم، حيث ترسم الجبال الشاهقة ملامح الصحراء الأردنية، وحيث تختزن الرمال حكايات الأجداد وذاكرة القوافل، تعود الهجن لتكتب فصلًا جديدًا من فصول الأصالة العربية. هنا، في منطقة الديسة، لا تبدو السباقات مجرد منافسة على المراكز الأولى، بل مشهدًا تراثيًا متكاملًا يجمع الإنسان بالإبل، والرياضة بالثقافة، والأردن بأشقائه العرب، في احتفالية تستعيد مكانة الهجن في حياة البادية وتقدمها للأجيال الجديدة بروح العصر.

وعلى أرضية مضمار الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تتواصل فعاليات مهرجان الأردن السادس لسباقات الهجن والشعر النبطي، المقام تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي عهد المملكة الأردنية الهاشمية، خلال الفترة من 16 إلى 21 أكتوبر 2026، بمشاركة عربية ودولية واسعة، وحضور جماهيري منح المهرجان طابعًا استثنائيًا منذ انطلاق منافساته.

المهرجان، الذي تنظمه لجنة رياضة الهجن الأردنية بالتعاون مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وعدد من الشركاء، يقدم هذا العام صورة تتجاوز حدود مضمار السباق، ليصبح تظاهرة رياضية وثقافية وسياحية تجمع سباقات الهجن المحلية والدولية، وبطولة العالم الثانية للقدرة الدولية للهجن، ومسابقة أجمل هجن، والشعر النبطي، والمعارض التراثية والأنشطة الفنية والمجتمعية.

مضمار الشيخ زايد.. منطلق المنافسة وملتقى الأشقاء

وسط طبيعة وادي رم التي تمنح السباقات خصوصية نادرة، كان مضمار الشيخ زايد على موعد مع حركة متواصلة من ملاك الهجن والمضمرين والمتابعين، بعدما استقبل نخبة من المشاركين القادمين من الأردن وعدد من الدول العربية، في مشهد يعكس تطور مكانة هذه الرياضة واتساع حضورها خارج ميادين الخليج التقليدية.

وشهدت المنافسات منذ انطلاقها يوم السبت 17 أكتوبر حضورًا جماهيريًا لافتًا، تابع أشواط السباق وسط أجواء جمعت الحماس الرياضي والاحتفاء بالموروث، فيما تواصلت المنافسات المحلية يوم الأحد، بالتوازي مع البرنامج الدولي والأنشطة المصاحبة.

وتضم منافسات المهرجان مختلف الفئات العمرية للهجن، من المفاريد والحقايق واللقايا والجذاع والثنايا وصولًا إلى الحيل والزمول، بمسافات تتراوح بين كيلومترين وستة كيلومترات، ما يمنح الملاك والمضمرين فرصة للمشاركة بمختلف الأعمار والفئات، ويضيف تنوعًا فنيًا إلى مجريات السباقات.

وتحمل إقامة المهرجان على هذا المضمار اسمًا له دلالته في مسيرة رياضة الهجن بالمنطقة، إذ يجسد ميدان الشيخ زايد امتدادًا للعلاقات الأخوية الراسخة بين الأردن والإمارات، وما تمثله رياضة الهجن من إرث مشترك يجمع شعوب المنطقة، ويؤكد أن المحافظة على هذه الرياضة تتجاوز الحدود الجغرافية لتصبح مسؤولية ثقافية وتراثية مشتركة.

حضور عربي واسع.. والمشاركة تتجاوز التوقعات

لم تقتصر خصوصية النسخة السادسة على طبيعة المكان أو تنوع المنافسات، بل برزت في اتساع المشاركة العربية والدولية التي أكدت تطور مكانة المهرجان على خريطة فعاليات الهجن.

وأكد علي المسامرة، رئيس لجنة رياضة الهجن الأردنية، أن حجم المشاركة في النسخة الحالية تجاوز التوقعات، مشيرًا إلى أن المهرجان يشهد تطورًا متواصلًا في الإقبال عامًا بعد عام، وأن غالبية الهجن المشاركة جاءت من المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي.

وتكشف البيانات حجم هذا الحضور، إذ بلغ عدد المسجلين من السعودية 71 مشاركًا، ومن مصر 135 مشاركًا، فيما قُدّر الحضور الجماهيري السعودي بنحو أربعة آلاف زائر، إلى جانب نحو 150 مشاركًا وزائرًا من مصر، فضلًا عن وفود ومشاركين من قطر والكويت والجزائر ودول إفريقية وأوروبية.

هذه الأرقام تعكس أن وادي رم لم يعد مجرد محطة محلية لسباقات الهجن، بل أصبح وجهة تستقطب المهتمين بهذه الرياضة من دول متعددة، وتؤكد أن الموروث البدوي قادر على جمع ثقافات مختلفة حول قيم مشتركة عنوانها الأصالة والمنافسة والتواصل الإنساني.

تجهيزات جديدة تواكب اتساع المهرجان

ومع تنامي المشاركة، فرضت النسخة السادسة متطلبات تنظيمية وخدمية جديدة، استجابت لها الجهات المعنية من خلال حزمة من أعمال التطوير والتأهيل التي استهدفت رفع جاهزية مضمار الشيخ زايد ومرافقه.

وكشف صالح النعيمات، مدير منطقة رم التابعة لسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، عن تجهيز 11 حظيرة كبيرة وثلاثة محاشر، إلى جانب صيانة مرافق المضمار وتأهيل مسارات السباقات البالغ طولها 12 كيلومترًا، وتوفير البنية التحتية والخدمات اللازمة لاستقبال المشاركين والزوار.

ولم تتوقف أعمال التجهيز عند الجوانب الفنية المتعلقة بالمنافسات، بل امتدت إلى تهيئة المرافق لاستضافة الأنشطة التراثية والثقافية، بما ينسجم مع التوجه نحو تقديم المهرجان باعتباره حدثًا متكاملًا، وليس مجرد سباقات تقام خلال أيام محددة.

ويؤكد هذا التطور أن الارتفاع المستمر في أعداد المشاركين والمتابعين يضع المهرجان أمام مرحلة جديدة، يصبح فيها الاستثمار في البنية التحتية وتطوير الخدمات عاملًا أساسيًا لضمان استمرارية النجاح وتعزيز قدرة الأردن على استضافة بطولات أكبر خلال السنوات المقبلة.

الشعر النبطي.. حين يلتقي صوت القصيدة بنداء المضمار

ولأن الهجن لم تكن يومًا بعيدة عن الشعر العربي، فقد احتفظت القصيدة النبطية بمكانتها في قلب المهرجان، لتشكل مع السباقات وجهين لموروث واحد، حفظته البادية وتوارثته الأجيال.

ويشهد المهرجان تنظيم النسخة السادسة من مسابقة الشعر النبطي على المستوى الأردني، والرابعة على المستوى العربي، بالتعاون مع وزارة الثقافة الأردنية، وسط مشاركة شعراء يتنافسون في إحياء هذا اللون الأدبي الأصيل الذي ارتبط بتاريخ الإبل وحياة الصحراء، ووثق بطولات الفرسان ومآثر الرجال وقيم الكرم والشجاعة.

وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار خلال ساعات النهار إلى أشواط السباقات وما تحمله من إثارة، ينتقل الاهتمام خلال الأمسيات إلى فضاء القصيدة، حيث يحضر الشعر بوصفه شاهدًا على العلاقة العميقة بين الإنسان العربي والإبل، ومكونًا رئيسيًا من مكونات الهوية الثقافية للبادية.

أجمل هجن.. الجمال ينافس السرعة

وإلى جانب أشواط السباقات، يفتح المهرجان مساحة للاحتفاء بجمال الإبل من خلال مسابقة أجمل هجن، التي أدرجها المنظمون ضمن فعاليات يوم الأحد 18 أكتوبر.

وتضيف المسابقة بعدًا آخر للاحتفالية، إذ تنتقل الأنظار من قوة الأداء والسرعة داخل المضمار إلى ملامح الجمال التي اشتهرت بها الإبل العربية، بما يعكس تنوع الاهتمام بهذا الموروث، بين أصحاب الهجن الذين يبحثون عن الناموس في السباقات، والمهتمين بصفات الإبل وجمالها.

ويمنح الجمع بين السباقات ومسابقة الجمال المهرجان طابعًا أكثر شمولًا، ويتيح للجمهور التعرف إلى جوانب متعددة من ثقافة الإبل، بعيدًا عن اختزالها في المنافسات الرياضية وحدها.

متحف تراثي ومعرض علمي.. حكاية الإبل للأجيال

لم تغب الجوانب المعرفية عن المشهد، إذ خصص المنظمون مساحة للمتحف التراثي ومعرض علمي متخصص بالإبل، في خطوة تجمع بين التعريف بالموروث الشعبي وتقديم المعرفة المرتبطة بالإبل ودورها في حياة المجتمعات الصحراوية.

كما شملت الفعاليات تجارب لتذوق الطعام البدوي، وأنشطة للأطفال، وعروضًا فنية وثقافية، وتجارب تصوير تفاعلية مع الهجانة البدوية، بما أتاح للزوار الاقتراب من تفاصيل الحياة التراثية للمنطقة.

وتبرز أهمية هذه الأنشطة في أنها توسع دائرة المهتمين بالمهرجان، ليصبح مناسبًا للعائلات والزوار والسياح، وليس مقتصرًا على ملاك الهجن والمضمرين. كما تمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى تراث آبائهم وأجدادهم في أجواء تجمع المعرفة بالمتعة والمشاهدة المباشرة.

البازار التراثي.. أهل الديسة شركاء في المهرجان

وفي جانب آخر من الصورة، وجد أبناء المجتمع المحلي مساحة مهمة للمشاركة والاستفادة من الحدث، من خلال البازار التراثي الذي ضم 16 جناحًا بمشاركة تسع جمعيات محلية، إلى جانب سيدات عرضن منتجات تعكس الحرف والموروث الشعبي للمنطقة.

ولم يكن البازار مجرد نشاط تجاري مصاحب، بل نافذة للتعريف بإنتاج المجتمع المحلي ومهاراته، ومجالًا لربط الحركة السياحية بالأنشطة الاقتصادية للأسر والجمعيات.

وتكشف هذه المشاركة عن أحد أهم أبعاد المهرجان، وهو قدرته على تجاوز المنافسات الرياضية إلى تحريك قطاعات اقتصادية متعددة، من خدمات الإقامة والنقل والمطاعم إلى الأسواق والحرف التراثية.

وبذلك تتحول أيام المهرجان إلى فرصة للترويج لوادي رم والديسة والعقبة، وتقديم تجربة سياحية تجمع بين سحر الطبيعة الصحراوية ورياضة الهجن والضيافة الأردنية الأصيلة.

من المنافسات إلى الأمسيات الفنية.. برنامج يحتفي بالجميع

وتنوع البرنامج ليشمل إلى جانب سباقات الهجن والشعر النبطي أمسيات فنية، أُعلن عن مشاركة الفنان عماد الخوالدة في أمسية السبت 17 أكتوبر، فيما يتضمن برنامج الثلاثاء 20 أكتوبر أمسية للفنانين حسام ووسام اللوزي.

كما أعلن المنظمون توفير مواصلات مجانية للزوار في مواعيد محددة، لتسهيل حضور الفعاليات، بما يعكس الاهتمام بتوسيع المشاركة الجماهيرية وإتاحة الفرصة أمام مختلف شرائح المجتمع لمتابعة المهرجان.

هذه التفاصيل التنظيمية والثقافية تجعل من الحدث مساحة مفتوحة للاحتفال بالتراث الأردني، حيث يجد محب السباقات متعته في المضمار، ويجد عاشق القصيدة ضالته في أمسيات الشعر، بينما تتاح للعائلات والسياح فرصة استكشاف ثقافة البادية وما تختزنه من عادات وتقاليد.

بطولة العالم الثانية للقدرة.. الموعد الدولي الكبير

ومع اقتراب المهرجان من أيامه الأخيرة، تتجه الأنظار إلى بطولة العالم الثانية للقدرة الدولية للهجن، التي تمثل أحد أبرز العناوين الرياضية في النسخة السادسة.

وتكتسب هذه البطولة أهميتها من طبيعة المنافسة التي تختلف عن أشواط السرعة المعتادة، إذ تقوم سباقات القدرة على اختبار تحمل الهجن وجاهزيتها وقدرتها على مواصلة الأداء، بما يضيف تنوعًا رياضيًا إلى برنامج المهرجان ويفتح المجال أمام مشاركات دولية أوسع.

وبحسب البرنامج المعلن، من المقرر أن يشهد يوم الأربعاء 21 أكتوبر إقامة البطولة الدولية والحفل الختامي، لتصل التظاهرة إلى محطتها الأخيرة بعد أيام من السباقات والفعاليات التراثية والثقافية.

وتشكل استضافة هذه البطولة إضافة مهمة إلى رصيد الأردن في تنظيم فعاليات الهجن، وخطوة تدعم طموح القائمين على المهرجان في ترسيخ موقع وادي رم وجهةً للبطولات والأنشطة الرياضية التراثية الدولية.

وادي رم.. الرابح الأكبر من عرس الهجن

بعيدًا عن حسابات الفوز والخسارة داخل المضمار، يبدو وادي رم أحد أبرز المستفيدين من هذا الحدث، إذ يمنح المهرجان المنطقة فرصة إضافية لتعزيز مكانتها على خريطة السياحة الرياضية والتراثية.

فالمشاركة الخليجية والعربية والدولية لا تعني حضور الهجن والملاك وحدهم، وإنما تصاحبها حركة للزوار والخدمات والأنشطة التجارية، إلى جانب فرص للتعريف بالمقومات الطبيعية والسياحية التي تتميز بها المنطقة.

وقد أشادت وفود دولية مشاركة بمستوى التنظيم والتسهيلات المقدمة، خصوصًا على المنافذ الحدودية، إلى جانب حسن الاستقبال والضيافة، في مؤشر على أهمية العمل المشترك بين الجهات المعنية لإنجاح الحدث.

ويعزز هذا الحضور التكامل السياحي بين العقبة ووادي رم والديسة، حيث تتنوع التجارب المتاحة للزائر بين السياحة البحرية والبيئية والصحراوية والفعاليات التراثية، بما يفتح آفاقًا أوسع أمام المنطقة خلال المواسم المقبلة.

وكالة الانباء الاردنية

عرس عربي يعيد للإبل مكانتها في ذاكرة الأجيال

في المشهد الأخير، تتجاوز حكاية مهرجان الأردن السادس حدود الأرقام وأسماء المشاركين وبرامج المنافسات. فالقيمة الأكبر لهذا التجمع تكمن في قدرته على إعادة تقديم الإبل باعتبارها رمزًا حيًا للهوية العربية، وجسرًا يصل الماضي بالحاضر، ويجمع أبناء البادية وعشاق الموروث من مختلف البلدان.

لقد نجح المهرجان، في أيامه الأولى، في تقديم صورة تجمع بين الرياضة والتراث والسياحة والثقافة، مستندًا إلى المشاركة العربية الواسعة، والحضور الجماهيري، والتطوير التنظيمي، وتنوع الأنشطة المصاحبة.

ومن مضمار الشيخ زايد في الديسة، تتواصل الحكاية التي بدأت مع ارتباط الإنسان العربي بالإبل منذ قرون، لتؤكد أن هذه الرياضة لا تزال قادرة على جمع الأشقاء وصناعة مناسبات تستحضر عبق الماضي بروح المستقبل.

هكذا يكتب وادي رم فصله الجديد مع الهجن؛ فالصحراء التي حفظت حكايات القوافل والفرسان، تفتح اليوم أبوابها لملتقى عربي ودولي، تصبح فيه الأصالة عنوانًا، والمنافسة شغفًا، والتراث لغة تجمع الجميع.