مهرجان العلمين يجمع ملاك الهجن من المحافظات المصرية ويعزز حضور رياضة الآباء والأجداد على ساحل البحر المتوسط

|| تقرير يكتبه : محمد أبوعيطة

تعود سباقات الهجن بقوة إلى واجهة المشهد التراثي والرياضي في مصر، مع انطلاق مهرجان العلمين للهجن 2026، الذي تستضيفه مدينة العلمين على الساحل الشمالي يومي بتنظيم اتحاد الإمارات لسباقات الهجن، وبمشاركة واسعة من ملاك الهجن والمضمرين القادمين من مختلف المحافظات المصرية.

ويشهد المهرجان إقامة 32 شوطًا خلال الفترتين الصباحية والمسائية، بمشاركة نحو 1200 مطية، في واحدة من أبرز محطات سباقات الهجن المصرية، التي تستعيد من خلالها رياضة الآباء والأجداد حضورها على أرضية ميدان العلمين، وسط أجواء صيفية على ساحل البحر المتوسط.

ويمنح موقع الميدان بالقرب من مدينة العلمين، التي تستقبل خلال فصل الصيف أعدادًا كبيرة من الزوار، المهرجان بُعدًا سياحيًا إضافيًا، إذ يجمع بين المنافسات الرياضية والمشاهد التراثية، ويقدم للزوار صورة حية عن ارتباط المجتمعات الصحراوية المصرية بالإبل وسباقاتها منذ أجيال طويلة.

ملاك الهجن يشدون الرحال إلى العلمين

وشد ملاك الهجن من محافظات مصر المختلفة الرحال إلى ميدان العلمين للمشاركة في منافسات المهرجان، والاستفادة من الجوائز المالية المخصصة للفائزين، في ظل ما يشهده الحدث من اهتمام متزايد واتساع في قاعدة المشاركين.

ويتضمن برنامج المهرجان أشواطًا لمختلف الفئات العمرية، إلى جانب أشواط الرموز والأشواط التراثية، بما يتيح مشاركة أوسع للملاك، ويمنح المنافسات تنوعًا يجمع بين الشكل الرياضي الحديث لسباقات الهجن والموروث التقليدي الذي ارتبط بهذه الرياضة عبر التاريخ.

وتحافظ الأشواط التراثية على صورتها القديمة، حيث يقود الهجانة المطايا بصورة مباشرة، بينما تُقام غالبية الأشواط باستخدام أجهزة الراكب الآلي التي يتم التحكم فيها عن بُعد، في إطار تطوير السباقات ورفع مستويات السلامة والتنظيم.

رافد لحفظ التراث وتنشيط السياحة

لم يعد مهرجان العلمين مجرد منافسة رياضية بين الهجن الأسرع، بل أصبح رافدًا من روافد حفظ التراث وتنشيط السياحة ودعم ملاك الهجن والعاملين في هذا القطاع.

ويجمع المهرجان أبناء القبائل البدوية ومربي الإبل من سيناء ومطروح والوادي الجديد ومحافظات الصعيد وغيرها من المناطق المصرية، بما يمنحه بُعدًا اجتماعيًا بارزًا، ويحوّله إلى ملتقى سنوي تتجدد خلاله الروابط بين الملاك والمضمرين والمهتمين برياضة الهجن.

كما تسهم إقامة المنافسات في تنشيط الحركة الاقتصادية المحيطة بالميدان، من خلال خدمات النقل والإقامة والتغذية والأعلاف والرعاية البيطرية وتجهيز المطايا، فضلًا عن حركة البيع والشراء التي تصاحب تجمع الملاك والمربين.

نقلة تنظيمية وفنية

وشهدت سباقات الهجن في مصر خلال السنوات الأخيرة نقلة تنظيمية وفنية لافتة، بفضل التعاون المتواصل بين الاتحاد المصري لسباقات الهجن واتحاد الإمارات لسباقات الهجن، وهو التعاون الذي أسهم في انتظام المنافسات، وزيادة أعداد المشاركين، وتطوير أدوات السباق، وتشجيع الملاك والمضمرين في مختلف المحافظات.

ولم يعد الحضور لاتحاد الهجن الإماراتي في سباقات الهجن المصرية مقتصرًا على رعاية مهرجان واحد أو تقديم الجوائز للفائزين، بل تحول إلى مسار تعاون ممتد، شمل دعم سلسلة من السباقات، والمساهمة في تطوير المنافسات، وتوفير أجهزة الراكب الآلي، وتشجيع الملاك على الاهتمام بهجن السباق وإنتاج مطايا قادرة على تحقيق نتائج متقدمة.

وتعكس مشاركة نحو 1200 مطية في مهرجان العلمين 2026 حجم التطور الذي شهدته السباقات، واتساع قاعدة الملاك الراغبين في المشاركة، بعد أن أصبحت المهرجانات محطة رئيسية في أجندة رياضة الهجن المصرية.

البداية من شرم الشيخ

بدأت ملامح التعاون المنظم بين الاتحادين المصري والإماراتي تتبلور بوضوح خلال عام 2019 من ميدان شرم الشيخ، الذي استضاف مهرجانًا بدعم من اتحاد الإمارات لسباقات الهجن، وسرعان ما أصبحت شرم الشيخ إحدى أبرز محطات السباقات المصرية، مستفيدة من مضمارها الدولي، وموقعها السياحي، ومشاركة ملاك وهجانة من سيناء والإسماعيلية والسويس والوادي الجديد ومحافظات الصعيد.

وفي يناير 2020، قدم اتحاد الإمارات لسباقات الهجن 100 جهاز راكب آلي للمشاركين في مهرجان شرم الشيخ، بهدف تحسين أداء الهجن وتطوير شكل المنافسات، بما يتوافق مع الأنظمة الحديثة المتبعة في ميادين السباقات الخليجية.

وأسهم إدخال أجهزة الراكب الآلي في رفع معدلات السلامة، وتطوير طرق تدريب المطايا وقيادتها خلال السباقات، ونقل المنافسات المصرية إلى مرحلة تنظيمية جديدة تعتمد على التحكم عن بُعد بدلًا من الطرق التقليدية.

العلمين تدخل روزنامة السباقات

امتد التعاون بعد ذلك إلى ميدان العلمين بمحافظة مطروح، الذي تحول خلال مواسم قليلة إلى محطة رئيسية في روزنامة سباقات الهجن المصرية، وأصبح يستقبل سنويًا أعدادًا كبيرة من المطايا والملاك القادمين من مختلف المحافظات.

أثر اقتصادي يتجاوز حدود المضمار

حقق انتظام سباقات الهجن بميدان العلمين أثرًا يتجاوز الجانب الرياضي والتراثي، إذ شجع ارتفاع قيمة الجوائز وتعدد المنافسات ملاك الهجن على زيادة الاهتمام بالمطايا وتدريبها وتحسين إنتاجها.

ويستفيد من هذه الحركة ملاك الهجن والمضمرون والهجانة والأطباء البيطريون والعاملون في مجالات الأعلاف والنقل والتجهيز، إلى جانب الأنشطة السياحية والتجارية المحيطة بالمدن المستضيفة.

كما تمنح السباقات ملاك الهجن فرصة لتحقيق مردود اقتصادي يساعدهم على تحمل تكاليف التربية والتدريب والنقل والرعاية، ويشجعهم على الاستمرار في المحافظة على هذا الموروث بدلًا من تراجع حضوره أمام المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

تطوير السلالات ونقل الخبرات

يعد تطوير مستوى هجن السباقات المصرية أحد أبرز ثمار التعاون بين الاتحادين الإماراتي والمصري؛ إذ تمنح المنافسات المنتظمة الملاك فرصة لاختبار إنتاجهم، واكتشاف المطايا الأسرع، واختيار السلالات الأكثر قدرة على التحمل والمنافسة.

كما أسهم التعاون في انتقال خبرات تنظيمية وفنية مهمة، تشمل تقسيم الأشواط وفق الأعمار والفئات، وتسجيل المشاركات، وتنظيم عمليات الانطلاقة والتحكيم، واستخدام الراكب الآلي، إلى جانب توسيع نطاق الجوائز ليشمل عددًا أكبر من الفائزين.

وأدى هذا التطور إلى زيادة اهتمام الملاك بإعداد المطايا وفق برامج تدريب أكثر انتظامًا، وتحسين التغذية والرعاية البيطرية، بما انعكس على مستوى المنافسات والتوقيتات المسجلة في الميادين المصرية.

حضور تراثي بروح عصرية

تمثل سباقات الهجن امتدادًا طبيعيًا لثقافة المجتمعات الصحراوية في سيناء ومطروح والوادي الجديد والصعيد، حيث ارتبطت الإبل بحياة القبائل ووسائل انتقالها ومصادر رزقها منذ أجيال طويلة.

ومع تطور المضامير ودخول تقنية الراكب الآلي وارتفاع أعداد المشاركات، حافظت السباقات على جوهرها التراثي، لكنها اكتسبت في الوقت نفسه شكلًا رياضيًا منظمًا يمكن البناء عليه لاستضافة بطولات عربية ودولية خلال السنوات المقبلة.

ويأتي مهرجان العلمين للهجن 2026 ليؤكد أن هذه الرياضة لم تعد مجرد ذكرى من الماضي، بل أصبحت حدثًا رياضيًا وتراثيًا وسياحيًا متجددًا، يجمع أبناء القبائل وملاك الهجن، وينشط الحركة الاقتصادية، ويحافظ على أحد أبرز مكونات الموروث العربي الأصيل، بدعم إماراتي متواصل وتعاون مصري يعمل على ترسيخ حضور الهجن في واجهة المشهد التراثي.