|| حسن سلامة
قبل أن تعرف ميادين الهجن برامج التدريب الحديثة، وقبل أن تدخل التقنيات المتطورة إلى عالم التجهيز والإعداد، كان أهل الإبل قد وضعوا بخبرتهم المتوارثة منهجًا عمليًا لصناعة المطية القادرة على التحمل والمنافسة.
ومن بين المصطلحات التي اختصرت جانبًا من تلك الخبرة القديمة يبرز «التسحير»؛ وهو أسلوب يقوم على تعويد المطية على الجري بصورة تدريجية، تبدأ بمسافات قصيرة تتناسب مع عمرها وقدرتها، ثم تزداد مرحلة بعد أخرى حتى تصبح قادرة على مواجهة المسافات الطويلة.
لم يكن الهدف من «التسحير» أن تُدفع المطية إلى أقصى طاقتها منذ بداياتها، بل كان أهل الهجن يؤمنون بأن بناء المطية القوية يحتاج إلى الصبر والتدرج. فالمسافة لا تُفرض عليها دفعة واحدة، وإنما تُبنى قدرتها خطوة بخطوة، حتى يشتد عودها ويكتمل استعدادها.
بداية الحكاية
تبدأ أولى مراحل الإعداد بما يعرف عند بعض أهل الهجن بـ«الصريمة»، وهي مرحلة الترويض الأولى، حيث تدخل المطية إلى الجري لمسافة قصيرة ومقننة، بهدف تعويدها على الحركة والانضباط دون تحميلها جهدًا يفوق عمرها أو قدرتها.
ومع تقدمها في العمر تنتقل إلى «الصريمة الثانية»، فتزداد مسافة الجري بصورة مدروسة، ثم تتواصل المراحل تدريجيًا، وفق حالة المطية واستجابتها وقدرتها على التحمل.
وهنا كانت تظهر خبرة المضمر وأهل الإبل؛ فليس كل مطية مثل الأخرى، ولا توجد مسافة واحدة تصلح للجميع. لكل مطية طبيعتها، ولكل سن مقدار من الجهد، ولكل مرحلة حدودها التي لا ينبغي تجاوزها.
المسافة.. مقياس الأصايل
في زمن السباقات القديمة، كانت المسافات الطويلة تمثل اختبارًا حقيقيًا للمطية، وتكشف قدرتها على التحمل والاستمرار والمحافظة على أدائها حتى نهاية السباق.
ولذلك لم تكن السرعة وحدها هي المعيار، بل كان طول النفس والقدرة على مواصلة الجري لمسافات بعيدة من الصفات التي يعتد بها أهل الإبل في تقييم الهجن الأصايل.

ومن هنا اكتسب «التسحير» أهميته، إذ كان بمثابة الطريق الذي تنتقل من خلاله المطية من الجري القصير إلى القدرة على مجابهة السباقات الطويلة، وصولًا إلى مسافات تشبه في مفهومها الحديث سباقات الماراثون.
علم صاغته الخبرة
يكشف «التسحير» جانبًا لافتًا من المعرفة التقليدية لدى أهل الهجن؛ معرفة لم تُكتب في كتب أو مناهج تدريب، لكنها تشكلت عبر سنوات طويلة من الملاحظة والتجربة.
فقد أدركوا أن التحمل يُبنى بالتدرج، وأن عمر المطية يجب أن يكون متناسبًا مع المسافة والجهد، وأن الإفراط في التدريب المبكر لا يعني بالضرورة صناعة مطية أفضل.
كانت تلك المعرفة تنتقل من جيل إلى آخر، وتصنع مع الوقت قواعد عملية في التعامل مع المطية وإعدادها للمنافسات.
إرث باقٍ رغم تغير الميادين
واليوم، ومع ما شهدته سباقات الهجن من تطور كبير في علوم التدريب والتغذية والتجهيز والمتابعة، بقي «التسحير» جزءًا من الذاكرة التراثية للميدان، وشاهدًا على خبرة رجال عرفوا الإبل عن قرب وفهموا قدراتها قبل زمن القياسات والبرامج الحديثة.
فالكلمة لا تحكي مجرد طريقة تدريب، بل تحكي فلسفة كاملة في التعامل مع المطية؛ فلسفة تقوم على الصبر، والملاحظة، ومعرفة التوقيت المناسب للانتقال من مرحلة إلى أخرى.
إنها قصة تبدأ بمسافة قصيرة، ثم تمتد مع الأيام، حتى تصبح المطية قادرة على مواجهة المسافات الطويلة بثبات وتحمل.
وهكذا ظل «التسحير» شاهدًا على حقيقة عرفها أهل الإبل منذ زمن بعيد: أن المطية التي تصنعها المسافات الكبيرة تبدأ دائمًا بخطوة صغيرة محسوبة.




